فؤاد سزگين

205

تاريخ التراث العربي

لتفسير عقلاني ، وإلا فلا يمكن لها أن تكون موضوع علم دقيق ، فعلاوة على الملاحظة التجريبية ، التي تسعى لإثبات حتى الخواص غير العادية للأشياء الطبيعية ، لا بد من تعيين العلل التي تتوقف عليها . « ولطالما ربط جابر في كتابه « كتاب الخواص » مفهوم الخواص بمفهوم العلة ، فهو لا ينتقد فقط علماء الدين لإنكارهم وجود الخواص ، وإنما ينتقد الفلاسفة أيضا - وبخاصة أرسطوطاليس منهم - الذين يزعمون أن علة الخواص تتمنّع على الإدراك البشري « 1 » » . « كذلك فلقد قال محمد بن زكريا الرّازى ( الذي كان حيّا بعد قرن على الأقل « 2 » ) في رسالته الصغيرة عن الخواص إننا لا نعرف العلل التي تحدد الخواص « 3 » . أما جابر فقد حاول أن يجد تفسيرا سببيا للعلل « 4 » » . « وقد كان جابر ، انطلاقا من قناعته بإمكانية قيام العلم الطبيعي على قاعدة الإتقان المتين ، كان شجاعا بما فيه الكفاية ليؤمن بأنه انتزع من الطبيعة آخر خفاياها . إن سمة هذا العلم البارزة أنه لا يعترف بوجود أي حد للتفكير البشري « 5 » » اعتمادا منه على ثقته بالعقل البشري وبناموس الطبيعة تساءل جابر ألا يمكن أن يكون التوليد ممكنا « فالكائن الحيّ بالنسبة له بل الإنسان نفسه ، إنما هو نتيجة تفاعل قوى الطبيعة . فالطبيعة تخضع لدى توليدها إلى قانون الكمية والعدد ، يكشف سره بواسطة قياس الميزان . فمن الممكن - من الناحية النظرية على الأقل - محاكاة تدبير الطبيعة ، بل تحسينه عند الحاجة » « 6 » . ولقد صاغ جابر ، مستوحيا ذلك من الفكرة القديمة التي تفيد أن الصنعة ( texvn ) تحاكى الطبيعة ( xuols ) صاغ هذه الفكرة صياغة جريئة للقارئ المسلم . ومن المحتمل جدّا أنه طبق على علم الطبيعة ( تلك )

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 94 . ( 2 ) ما يقع ضمن القوسين فمن المؤلف . ( 3 ) كراوس ii ، ص 95 . يرى كراوس أن الرازي يتفق مع النزعة المشائية ( peripatetisch ) للتراث الطبي اليوناني القديم . وقد أحال كراوس إلى w . jaeger : الطب اليوناني ومدرسة أرسطاطاليس ، diokles vonkarystes , diegriechischeme dizinunddiesehul edesaristoteles ، برلين 1948 ص 38 . ( 4 ) كراوس ii ، ص 95 . ( 5 ) المصدر السابق ص 98 - 99 . ( 6 ) المصدر السابق ص 98 .